رئيسي التحرير يكتب :المسكوت عنه في الحرب الإسرائيلية – الإيرانية
لا شك أن الحرب بين إيران وإسرائيل هي حرب وجودية وعقائدية وأيديولوجية، تخضع لطبقات متعددة في تفسير هذا الصراع، باعتباره صراع نفوذ جيوسياسي بين الأطراف المتنازعة. فهو من جهة قائم على مشروع الثورة والهوية الشيعية السياسية، ومن جهة أخرى على سردية الخلاص التوراتي–التلمودي التي تسعى، وفق رؤيتها، إلى تطهير الأرض من الشر المطلق بالنسبة لكلا الطرفين، ظاهريًا.
لكن في الحقيقة يرى بعض المراقبين أن هذا الصراع يتجاوز ذلك ليصبح حربًا تستهدف القيم والأخلاق والعقيدة الدينية في العالم الإسلامي، تمهيدًا لفرض منظومة أخلاقية ولاهوتية جديدة قد ترتبط بالاقتصاد الرقمي والعملات المشفرة، مثل Bitcoin، في إطار تحولات عالمية كبرى.
كما يرتبط الصراع أيضًا بالسيطرة على الممرات البحرية ومصادر الطاقة والتكنولوجيا العسكرية، بهدف فرض هيمنة إقليمية واسعة وبسط نظام رقابة عالمي يقوم على اقتصاد رقمي موحد، تتزايد فيه أدوات التحكم والمراقبة والهيمنة. وفي هذا السياق، أثيرت نقاشات واسعة حول تسريبات مرتبطة بقضية Jeffrey Epstein، التي فتحت باب التساؤل حول طبيعة العلاقات المعقدة بين بعض النخب السياسية والمالية العالمية.
ويرى بعض الباحثين أن هذه القضية لم تكن مجرد فضيحة أخلاقية تتعلق بجزيرة معزولة استُخدمت لابتزاز شخصيات نافذة، بل كشفت أيضًا عن شبكات نفوذ واسعة تربط بين السياسة والمال والتكنولوجيا في النظام العالمي المعاصر.
غير أن تطورات الحرب غير المباشرة بين إيران وإسرائيل يبدو أنها أعادت خلط الأوراق، خاصة مع اعتماد طهران على استراتيجية حرب الاستنزاف عبر حلفائها الإقليميين، إضافة إلى تأثيرها الجيوسياسي المرتبط بأحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو Strait of Hormuz. فإغلاق هذا المضيق أو تعطيل الملاحة فيه يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة ويؤثر في الاقتصاد العالمي.
كما أن استهداف المصالح الحيوية والقواعد العسكرية في منطقة الخليج كشف عن هشاشة التوازنات الأمنية في المنطقة، وعن حجم التنافس الاستخباراتي المتصاعد بين القوى الإقليمية والدولية.
وفي سياق آخر، تثار تساؤلات حول الدور الذي تلعبه المنتديات الاقتصادية العالمية، مثل World Economic Forum، في مناقشة التحولات الكبرى المرتبطة بالاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، حيث يجتمع فيها سياسيون ورجال أعمال وخبراء تكنولوجيا لمناقشة مستقبل الاقتصاد العالمي.
وتكتسب هذه النقاشات أهمية خاصة في منطقة الخليج، نظرًا لما تمتلكه اقتصاداتها من تأثير كبير في الأسواق العالمية. فاقتصادات مثل المملكة العربية السعودية والإمارات، تمتلك صناديق سيادية ضخمة واستثمارات مؤثرة في الاقتصاد العالمي، كما تستقطب نسبة كبيرة من رؤوس الأموال الأجنبية.
وفي المقابل، أظهرت تطورات الحرب قدرة إيران على استخدام موقعها الجغرافي كورقة ضغط استراتيجية، خصوصًا عبر تأثيرها في طرق إمدادات الطاقة العالمية. فبدائل نقل الطاقة في المنطقة ما زالت محدودة وغير مضمونة بالكامل، كما أن كثيرًا من البنية التحتية للطاقة يقع في مناطق قريبة من نطاق النفوذ الإيراني، ما يجعله عرضة للمخاطر في حال توسع الصراع.
وبناءً على ذلك، تبدو إمكانية حسم الحرب لصالح الولايات المتحدة محفوفة بتحديات كبيرة، أبرزها أزمة الثقة بين الأطراف المتصارعة. فحتى لو توقفت الحرب اليوم، يبقى السؤال مطروحًا: من يضمن عدم اندلاعها مجددًا؟ إذ تشير التجارب السابقة في المنطقة إلى أن التوترات غالبًا ما تعود بأشكال جديدة.
كما أن الحديث عن نهاية المشاريع الأيديولوجية في الشرق الأوسط يبدو مبكرًا، بل ربما نشهد في المرحلة المقبلة موجات جديدة من التطرف والراديكالية نتيجة الصراعات المتراكمة.
وفي هذا الإطار، يرى بعض المحللين أن الصراع في الشرق الأوسط لا يقتصر على كونه صراعًا سياسيًا أو عسكريًا فحسب، بل يحمل أيضًا أبعادًا حضارية ودينية. وقد عبّر بعض السياسيين والإعلاميين في الغرب عن رؤى تعتبر الصراع جزءًا من مواجهة حضارية أوسع، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.
وفي ظل هذه التحولات، يتزايد الحديث عن عالم يتجه نحو أنظمة اقتصادية رقمية، تعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي والعملات الرقمية، في إطار نظام عالمي جديد يقوم على التحكم في المعلومات والتكنولوجيا.
ومن هنا يطرح بعض المراقبين تساؤلات حول التحولات الجارية في قطاع الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك التنافس بين الشركات التكنولوجية الكبرى مثل OpenAI وAnthropic، ودور هذه الشركات في تشكيل مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي.
وفي النهاية، يرى بعض الباحثين أن الحروب المعاصرة قد تتقاطع بشكل متزايد مع التحول نحو الاقتصاد الرقمي، ومع توسع أنظمة المراقبة والتكنولوجيا العسكرية والذكاء الاصطناعي. وهذا يطرح أسئلة عميقة حول العلاقة بين الأمن والتكنولوجيا، وحول الكيفية التي قد يعاد من خلالها تشكيل ملامح النظام الدولي في العقود القادمة.
وأتمنى أن أكون على خطأ، لكن كثيرًا من المؤشرات الحالية قد تدل على أننا أمام مرحلة عالمية جديدة لم تتضح معالمها بالكامل بعد.




-4.jpg)

.jpg)